الفصل 3: رواية وكان لقاؤنا حياة — الفصل الثالث بقلم سهام صادق
رواية وكان لقاؤنا حياة — الفصل الثالث
٣
الفصل الثالث
« بعد مرور ثلاث أعوام »
وقف “خالد” أعلىٰ المنصة يُلقي كلمته بعدما حصل على جائزة تكريميه لأفضل رائد أعمال ورئيس تنفيذي -لهذا العام- في الوطن العربي.
تعلقت عينيّ “نورسين” به وابتسامة واسعة تشق طريقها نحو شفتيها.
تعالا تصفيق الحضور بعدما أنهى كلمته.
– ابن عمي اللي دايمًا رافع راسنا.
قالها “ڪريم” وهو ينظر نحو “خالد” وقد تعلقت “نورسين” بحضن شقيقها.
– مبروك يا “خالد” ، تستحق الجايزة حقيقي.
– الله يبارك فيك يا “طارق”.
ابتسم “خالد” وهو يربت بكفه على كتف “طارق” ابن عمته.
– عشان المناسبة الحلوة دي أنا عزماكم النهاردة.
هتفت بها “نورسين” ثم تعلقت بذراع “خالد” الذي ضمها إليه بحنان.
اتجهوا جميعًا نحو المطعم الذي اختارته “نورسين” لتناول الطعام إحتفالاً بتكريم شقيقها.
..
تعلقت عينيّ “خديجة” بذلك المطعم الذي اصطحبتها إليه “ريناد” إحتفالًا بترقيتها.
– “ريناد” المكان شكله نضيف أوي، أي حاجه هنطلبها هتكون غاليه.
طالعتها “ريناد” بملامح ممتعضه ثم نظرت حولها.
– بصي فوق بقى يا “خديجة”، متخافيش مش هدبسك زي كل مره في دفع الفاتورة.
تركتها “ريناد” وتقدمت لداخل المطعم.
تَبِعتها “خديجة” في صمت دون المزيد من الكلام فيكفيها أنها وشقيقتها الآن صارتا مقربتين بعض الشىء بعد تلك الليلة التي ستظل مُرسخه داخل عقلها.
ارتجف جسد “خديجة” لوهله لتذكرها تفاصيل هذه الليله ثُمّ دخلت المطعم ورائها.
المطعم بالداخل كان بالفعل راقي مثل هيئته الخارجية مما جعلها تتأكد بأن شقيقتها ستدفع راتب هذا الشهر بأكمله.
للمرة الأخيرة أرادت أن تُنبه شقيقتها أن عليهم المغادرة، فبسبب البَذَخ الذي تعيش فيه هي ووالدتهم أصبحت الديون تتراكم عليهم.
– “ريناد” أنا مش معايا فلوس الشهر ده عشان أقدر أدفع قسط البنك.
إزدادت ملامح “ريناد” امتعاضًا، فهي بدأت تشعر بالضجر لأنها اصطحبت معها “خديجة” اليوم.
– ابقى اشربي عصير بس يا “خديجة” ولا اقولك كفايه عليكِ الميه.
تنقلت “خديجة” بعينيها نحو الطاولات وديكور المطعم وقد انشغلت “ريناد” بهاتفها.
أتى النادل ليدون طلباتهم واكتفت “خديجة” بتناول طبق بسيط من الأطباق المعروضة بقائمة الطعام.
ابتعد النادل عن طاولتهم وقد اجتذب أنظار “ريناد” فتاة بجسد ممتلىء -تُشبه جسد شقيقتها بالسابق- تدلف المطعم برفقة شابًا بملامح وسيمة.
ارتفعت زاوية شفتي “ريناد” بسخرية وهي ترمق الفتاة ثم نظرت نحو “خديجة”.
– أنا ممكن اتصدم فيها لو الشاب ده حبيبها أو خطيبها، معقول في واحد يحب واحده بالجسم ده.
تعلقت عينيّ “خديجة” بالفتاة التي تتمتع بقدر عالي من الجمال..
– وفيها إيه يا “ريناد” ، اللي بيحب حد بجد مبيفرقش معاه شكله ولا جسمه غير إن البنت جميلة أوي.
رمقتها “ريناد” بسخرية ومازالت تركز أنظارها نحو الفتاة والرجل الوسيم وقد شعرت بالحقد عندما رأته يطالعها بنظرة أدركت تمامًا أنها نظرة حبيب لحبيبته.
– جسمها بيفكرني بجسمك من تلت سنين يا “خديجة”، الوزن الزايد بيضيع الملامح… أنا مش عارفه هو إزاي مش محرج يمشي معاها وهي بالشكل ده.
لم تتحمل “خديجة” سخافة شقيقتها، فأكثر ما تكرهه في صفاتها -التي ورثتها عن والدتها- السخرية على الناس والإهتمام بالمظاهر الزائفة.
– على فكرة الوزن الزايد أحيانًا بيكون مرض، فبلاش تتريقي على الناس لتكوني زيهم في يوم.
– اوه، لااا… أنا اكون بالجسم ده… أنا ممكن انتحر ساعتها.
نطقتها “ريناد” ثم مررت أصابعها على خصلات شعرها.
أشاحت “خديجة” عيناها عنها وشعرت بالأسف داخلها نحو شقيقتها.
أثناء تناولهم للطعام خرجت شهقة خافته من “ريناد” التي أسرعت في دفع ساق “خديجة” حتى تنتبه إلى ما تنظر إليه.
– “خديجة” ،شكلي حلو وأنيق… بقولك إيه أنا هقوم اروح التويليت.
لم تفهم “خديجة” شىء من شقيقتها التي تركتها بالفعل والتقطت حقيبتها وهاتفها واتجهت نحو المكان المخصص لدورة المياة.
الصدمة احتلت ملامح “خديجة” عندما نظرت نحو النادل وشىء واحد اخترق عقلها.
– معقول هتكوني عايزه تدبسيني زي كل مرة في دفع الحساب يا “ريناد” لكن أنا المرادي مش معايا فلوس أدفع.
فقدت “خديجة” شهيتها من تناول الطعام وأخذت تفرك كفيها بتوتر مما سيحدث لها اليوم.
…..
– ما دام “نور” هي اللي عزمانا فأنا هطلب كل الأصناف اللي في المنيو حتى لو مش هاكلها.
هتف بها “ڪريم” مازحًا، فطالعته “نورسين” بشفتي مزمومتين.
ارتفعت ضحكات “ڪريم” من رؤيتة لإمتعاض “نورسين” ثم بدأ بمزاحه المعتاد معها تحت نظرات “طارق” الذي جاهد -بكل قوته- لعدم إظهار غيرته.
كان “خالد” يشعر بالراحه من رؤية شقيقته تعود لطبيعتها يومًا بعد يوم.
أتى لـ “خالد” اتصالًا، فانسحب من بينهم ليُجيب على المتصل.
..
استمرت “خديجة” في فرك يديها وعيناها عالقة نحو الجهة التي اتجهت إليها شقيقتها.
استدارت حولها ثم عادت تنظر أمامها بتوتر.
زفرت أنفاسها أخيرًا وهي ترى “ريناد” تتجه نحوها، شعرت بالراحه ولكن سُرعان ما أصابها الفضول وهي ترى شقيقتها تتجه نحو الطاولة التي اجتذبت أنظارها للحظه عندما ارتفع صوت ضحكات الجالسين عليها.
لم تلتقط أذنيّ “خديجة” أي شىء من حديث شقيقتها مع هؤلاء لبُعد الطاولة عن طاولتهم.
ابتسامة شقيقتها الواسعة واللطف الذي تتعامل به مع هؤلاء جعلها تعلم أن من تصافحهم ليسوا بأشخاص عاديين.
أنهى “خالد” مكالمته واتجه نحوهم لكن عيناه ضاقت بمقت من طريقه ابن عمه في التعامل مع الموظفات ، فهذه الفتاة يعرفها تمامًا.
أشرقت ملامح “ريناد” عندما تأكدت من عدم رحيل “خالد”.
ضاقت عينيّ “خديجة” وهي تركز أنظارها نحو ذلك الرَجُل الذي تجاهل حديث شقيقتها له واكتفى بتحريك رأسه بإماءة بسيطه.
– أنا حاسه إني شوفته قبل كده.
وسُرعان ما طرقت رأسها ذكرى تلك الليلة المشئومه.
إنه هو ذلك الرَجُل الذي كاد أن يصدمها بسيارته… فهي لم تنسى شىء من تلك الليلة التي سببت لها كُره للحفلات والموسيقى الصاخبة.
ارتجف قلبها بعدما عاد كل شئ يخترق رأسها، ضحكاتهم وهم يسكبون الخمر فوق رأسها ، تلك الموسيقى الصاخبة، تهليلهم حولها ثُمّ صياحهم بعدما قذفوها بحوض السباحة.
دمعت عيناها مع رعشة جسدها ودون قصد منها سقط كأس الماء -الذي أرادت الإرتشاف منه- أرضًا.
تحولت أنظار البعض نحوها كما تحولت نظرات “ريناد” إليها.
لولا سقوط الكأس من يد “خديجة” لكانت “ريناد” قبلت عرض العَزيمة التي قدمتها لها “نورسين” لتجلس معهم.
– أسفه يا فندم لكن أختي معايا.
أسرعت “ريناد” نحو “خديجة” كما اتجهت أنظار “ڪريم” نحو الطاوله التي اتجهت إليها “ريناد”.
– أختها مختلفه خالص عنها.
التفت “نورسين” نصف التفافه برأسها بعدما أخذها فضولها لترى شقيقة تلك الموظفة الثرثارة التي تعلم نواياها تمامًا.
التوت شفتي “نورسين” بتهكم، فأكثر من صارت تكرهم بحياتها هم من يتمتعون ببرائه الوجه والحشمة..
– إحنا هنقضي سهرتنا نتكلم عن الموظفة اللي مش فاكره اسمها وعن اختها ولا إيه.
نطقتها “نورسين” بضيق ثم أشاحت عيناها للجهة الأخرى وقد اصطدمت نظراتها بنظرات “طارق”.
تنهد “خالد” من تلك الجلسة التي تحولت لحديث لا معنى له، فهو بالأساس لا يهتم بأشياءً كهذه ولا يحب تلك السخافات والأحاديث التي يعتبرها خاصة بالنساء و “طارق” كان مثله تمامًا عكس “ڪريم” الذي دائمًا ما يحب محاوطة الفتيات له.
– خلينا نطلب العشا وكفايه كلام.
قالها “خالد” ثم تعالا رنين هاتفه مرة أخرى.
– الباشا طبعًا النهارده الاتصالات هتهل عليه من كل مكان عشان يباركوا ليه.
تمتم بها “ڪريم” بمزاح فرمقه بنظرة يأسه من طباعه التي لا تليق بطبيب صيدلي.
– إيه اللي عملتيه ده يا “خديجة”، فضحتيني قدام مدراء الشركة وصاحبها وأخته.
تأففت “ريناد” وهي تنظر لـ “خديجة” التي استطاعت بصعوبه طرد تلك الأصوات التي اقتحمت رأسها.
بتوتر تمتمت “خديجة” وهي تحاول التقاط أنفاسها بعدما خرجت من المطعم.
– افتكرت اللي حصلي يوم الحفله اللي روحتها معاكِ لما شوفت….
كادت أن تخبرها أن رؤيتها لذلك الرَجُل ذكرتها بما حدث لها لكن “ريناد” قطعت حديثها.
– وكمان خلتيني أدفع تمن الكاس اللي اتكسر منك.
استمرت “ريناد” بالتأفف حتى أتت سيارة الأجرة التي طلبتها.
استدار “خالد” بجسده ينظر نحو سيارة الأجرة بجبين مقطب بعدما استمع إلى حديث تلك المتعجرفة التي لا يراها إلا في صورة الفتاة التي تلهث وراء كل ما يُمّكنها من الوصول إلى هدفها.
…
ترك الصغير يد مربيته فور أن أستمع لصوت “خالد” الذي انحنى بجسده يفتح له ذراعيه.
– بـابـي
نطق بها الصغير الذي لم يتخطى الستة أعوام.
ضمه “خالد” إليه بحنو يمسح فوق خصلات شعره متسائلًا:
– حبيبي البطل، عامل إيه.. اوعي تكون تعبت الناني.
هز الصغير رأسه ثُمّ دفن رأسه بحضن “خالد” تحت نظرات السيدة “لطيفة” الحنونه و”نورسين” الحانقة من دلال شقيقها لهذا الصغير الذي لم ولن تتقبله يومًا على أنه أخَاهَا.
– أنا كمان أكلت الطبق بتاعي كله النهاردة وشربت اللبن.
استطرد الصغير في سرد أحداث يومه، فتحولت نظرات “خالد” نحو والدته التي ابتسمت وأشارت إليه بالصعود لغرفته لتغيّر ملابسه وأخذ حمامه.
تابع “خالد” تحركه لأعلى وهو يحمل الصغير بعدما تعلقت عيناه بوالدته بنظرة حنونه.
– أنا مش عارفه ليه لحد دلوقتي سايبه يقوله بابي.
هتفت “نورسين” صائحة وهي تتحاشىٰ النظر إلى والدتها.
– حتى أنتِ يا ماما سيباه يقولك نانا… هيفضل لحد امتى فاكرك جدته وفاكر “خالد” أبوه.
ثم تابعت “نورسين” بضيق.
-إيه المهزله اللي احنا عايشين فيها دي. الولد ده لازم يعرف إنه مجرد أخ إتفرض علينا بسبب نزوة السيد “رأفت”
– “نور” ، انتبهي على كلامك….
نظرت “نورسين” نحو والدتها.
– اللي بتتكلمي عنه ده والدك وراح لرحمة الله… و “أحمد” ده أخوكِ هو ملهوش ذنب في حاجة… أنا عمري ماربيتك على غلاظة القلب… معاملتك لأخوكي مش عجباني.. كفايه يا بنتي، انسي بقى زي ما أنا واخوكي نسينا.
– أنتِ بتكذبي على نفسك ولا عليا يا ماما، شايفه الحزن وصلك لإية.
أخفضت السيدة “لطيفة” عينيها نحو مقعدها المدولب الذي تجلس عليه بحزن.
شعرت “نورسين” بقسوة حديثها الذي جلى فوق ملامح والدتها؛ فأسرعت نحوها تجثو على ركبتيها وتدفن رأسها في حجرها.
– أنا أسفه يا ماما.
وهل تحزن السيدة “لطيفة” من قُره عينيها، هي حزينة عليها… لا تريدها أن تعيش عمرها كله تحمل الكره نحو أشخاص لا ذنب لهم.
– الكره يا بنتي لما بيستوطن القلوب مبيدمرش غير أصحابها.
بكت “نورسين” بحرقة، فهي لا تستطيع نسيان خيانة صديقتها لها وزواجها من والدها ولا تستطيع نسيان والدها الذي كانت تمثله في رمز الوفاء.
ضمتها السيدة “لطيفه” إليها تربت برفق فوق خصلات شعرها وقد وقف “خالد” أعلى الدرج ينظر إليهم بملامح كساها الجمود.
اقترب منهم وقد تركت “نورسين” حضن والدتها وأسرعت إلى حضنه وكأنها طفلة صغيرة وليست شابة أتمت الثلاثون من عمرها.
بعد وقت
كان “خالد” يساعد والدته بالتسطح على فراشها ثم انحنى يلثم جبينها والتقط كفها ليُقبله.
– طمنيني عليكِ يا حببتي، مش محتاجه حاجه مني…محتاجه تغيري جو مثلًا أو أي حاجه نفسك فيها.
رفعت السيدة “لطيفة” يدها نحو خده تربت فوقه بحنان.
– متقلقش عليا يا حبيبي أنا كويسه.
ابتسم “خالد” وهو يلتقط كفها ثُمّ قبله مرة أخرى.
– ربنا يخليكِ لينا يا حبيبتي.
فاضت عينيّ السيدة “لطيفة” بحنان وهي تنظر إليه ثُمّ غادر الغرفة بعدما اطمئن عليها.
خرجت تنهيدة السيدة “لطيفة” بأنفاس مرهقة وهي تسترجع بذاكرتها ذلك اليوم الذي أخبرها فيه “خالد” أنه سيتولى أعمال والده ويسترك مهنته كطبيب.
رأت الألم في عينيه لكنه كان مبتسمًا وهو يخبرها بالأمر.
…
استمعت “ريناد” لمكالمة “خديجة” مع إحدى صديقاتها ثُمّ تساءَلت بعدما أنهت “خديجة” المكالمة.
– فرح مين اللي معزومه عليه ومش عايزه تروحي.
التقطت “خديجة” نظارتها الطبية ثم عادت تركز بشاشة حاسوبها لتقوم بترجمة بعض الوثائق التي تأخذ أجرها عن طريق مواقع العمل الحر.
– فرح “زينة فهمي” أكيد فكراها.
– إيه ده هي هتتجوز، ويا ترى هتتجوز مين.
تساءَلت “ريناد” بعدما جلست فوق الفراش وربعت ساقيها.
خلعت “خديجة” نظارتها واستدارت إليها.
– ابن “حامد صفوان”
اتسعت عينيّ “ريناد” ثُمّ خرجت شهقتها في صدمة.
– “حامد صفوان” رجل الأعمال.
أماءت “خديجة” برأسها إليها ثُمّ عادت تركز بعينيها نحو شاشة حاسوبها.
ظلت “ريناد” تدور بالغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تقضم أظافرها..
– طلعت ناصحة وأنا اللي كنت فكراها هبله، ده أنا اللي معرفاها على الشلة اللي بيقعد معاها “معتز صفوان”.
دلفت السيدة “ثريا” الغرفة بعدما عادت من زيارة إحدى قريباتها ثم نظرت إليهم.
أسرعت “ريناد” نحوها تُخبرها بإستياء عن تحقيق إحداهن حلمها بالزواج من رَجُل ثري.
– شوفتي “زينة فهمي” هتتجوز مين؟!
استندت “خديجة” برأسها فوق ذراعيها تزفر أنفاسها بقوة بعدما غادروا غرفتها ، والدتها وشقيقتها لن تتغير طباعهم أبدًا.
نظرت إلى إطار صورة والدها وقد اقتحمها الحنين إليه واخترقتها الذكريات.
« فلاش باك »
تقف هي وشقيقتها قُرب باب غرفتهما ينظرون ويستمعون إلى شجار والدتهم مع والدهم الذي صار معتادًا.
– أنت عايز تفضل حتت محاسب في شركة محلتكش غير مرتبك.
صاحت بها السيدة “ثريا” وقلبها يتآكل من الغيظ بسبب رؤيتها لإحدى قريباتها التي كانت أدنى منها بالمستوى الإجتماعي قبل زواجها والآن أصبحت تعيش في مجمع سكني راقي ولديها سيارة خاصه بها.
– حتت المحاسب ده أنتِ رضيتي بيه يا “ثريا”.
احتقنت ملامح “ثريا” ثُمّ اتجهت نحو الأريكة وهوت بجسدها عليها.
– متفكرنيش بغلطتي اللي ندمت عليها.
– ندمتي على جوازنا يا “ثريا” !! ، راح فين الحب اللي كان بينا.
– بيضيع كل يوم مع الفقر.
ألجمه جوابها، فأشاحت وجهها عنه وهي تسمعه يردد بنبرة سكنها الألم.
“فقر” !!
أين هو الفقر الذي تتحدث عنه؟ …
إنه يعمل بوظيفتين أحدهم بدوام جزئي حتى يُرضيها ويجلب لها كل ما تتمنى.
– إحنا مش فقرا يا “ثريا”، احمدي ربنا على عيشتك.
وردها الذي صار محور حديثهم منذ أن بدأت تلتقي بأصدقائها وقريباتها.
– هي دي عيشه، أنا كان المفروض اسمع كلام بابا الله يرحمه مش اسمع كلام ماما واتجوز واحد يحبني ويصوني … “ثريا” بنت العز تتجوز جوازه زي دي.
– الله يسامحك يا بنت الحسب والنسب.
قالها السيد “ڪمال” ثُمّ غادر المنزل تحت نظرات ابنتاه.
« باك »..
أغمضت “خديجة” عيناها بألم بعدما غادرت تلك الذكرى عقلها.
مازالت نظرة والدها الكسيرة عالقه بذاكرتها وڪأن الزمن لم يرغب بإزالتها من روحها.
لقد سافر والدها للعمل بإحدى دول الخليج لكي يُحقق لوالدتها رغباتها التي لم تنتهي لكن للأسف بعد خمس أعوام من إغترابه مرض بشدة ثُمّ توفى في غربته.
وصلها الحديث الذي يدور بين والدتها و “ريناد”، مازالت والدتها تسعى لتزويج شقيقتها برَجُل ثري.
…
رفع “خالد” عيناه عن الأوراق التي كان يُطالعها بعدما دلف “طارق” غرفة مكتبه.
– لسا عرض السفر موجود ولا فكرت تعين حد تاني في فرع دبي.
ضاقت عينيّ “خالد”، فعرض العمل هذا قدمه لأبن عمته منذ شهر وقد رفض أمر تولي إداره فرعهم بالإمارات.
– لا العرض مازال موجود يا “طارق” لكن إيه اللي غير رأيك؟!
جلس “طارق” بالمقعد المقابل له ثُمّ ركز عيناه نحو نقطة ما.
– كنت الأول قلقان على عمتك لكن دلوقتي هي معظم الوقت قاعده مع “مها” بسبب ظروف شغل جوزها، و “سلوى” خلاص كلها اسبوع وتتجوز… فأنا شايف إني أنسب واحد فيكم…
نهض “خالد” عن مِقْعَده واقترب منه يجلس قبالته.
– لو جينا لوضع كل واحد فينا ومسئولياته فـ “كريم” أنسب واحد إنه يمسك فرع دبي.
– “كريم” أنت عارفه مبيحبش الإلتزام في حاجه وهو رافض إداره شركة هناك، لو حابب تعرض عليه الأمر من تاني معنديش مشكله.
قالها “طارق” ثُمّ نهض لڪن “خالد” أوقفه قائلاً.
– أقعد يا “طارق” خلينا نتكلم… قولي يا ابن عمتي عايز تهرب من إيه.
نظر إليه “طارق” بإرتباك ثم قال بتلبك جلي في صوته.
– ههرب من إيه يا “خالد”.
ابتسامة خفيفة داعبت شفتيّ “خالد” سُرعان ما اختفت قبل أن ينهض من أمامه ويسير بضعة خُطوات.
– من حُبك لـ “نور” يا ابن عمتي.
•••••••••••••