مساحة إعلانية

العودة إلى صفحة الرواية: رواية وكان لقاؤنا حياة

الفصل 2: رواية وكان لقاؤنا حياة — الفصل الثاني بقلم سهام صادق

رواية وكان لقاؤنا حياة — الفصل الثاني

٢

الفصل الثاني

لم تستوعب “خديجة” ما تراه أمامها، شقيقتها تجلس جوار أحدهم ملتصقة به وتلتقط منه لفافة التبغ.

شهقة قوية خرجت منها وهي تتجه نحوها وقد انتفض الجالس جوار شقيقتها من مكانه.

مساحة إعلانية

– هي حصلت يا “ريناد” بتشربي سجاير.

صاحت بها “خديجة” ثم التقطت السيجارة من كف “ريناد” التي حدقت بها بوجه مستاء.

– إيه رأيك تخدي نفس يا حلوة.

قالها الواقف وهو يترنح في وقفته و اقترب من “خديجة” التي حملقت به بفزع وقد أخفت فزعها بصراخها عليه.

مساحة إعلانية

– أبعد عني القرف ده… شكلها أصلًا مش سيجارة عادية.

ارتفعت قهقهة الواقف كما ارتفعت قهقهة “ريناد” التي لم تَكُن تشعر بشىء حولها إلا أنها تطير فوق السحاب.

– هات يا “كامل” السيجارة بتاعتك أصلها عملتلي دماغ حلوه…

حاولت “ريناد” النهوض لتتجه نحو “كامل” لكنها تهاوت فوق الأريكة مرة أخرى.

مساحة إعلانية

– قومي يا “ريناد” خلينا نمشي من هنا… والله لهقول لماما على اللي عملتيه النهارده… هم دول أصحابك ولاد الناس.. دول فاشلين.

حاولت “خديجة” سحب شقيقتها من فوق الأريكة لتُخرجها من هذا المكان لكن “ريناد” دفعتها عنها.

– إبعدي عني.

– “ريناد” أنتِ تعرفي البنت دي.

تساءَل الواقف بملل بعدما بدأ يشعر بالضيق من وجود “خديجة” التي قطعت عليهم لحظة استمتاعهم.

أشارت “ريناد” نحو “خديجة” ثم ارتفع صوت ضحكاتها.

– لا معرفهاش.

حدقت بها “خديجة” بصدمة وقبل أن يخرج صوتها صائحًا بـ “ريناد” المغيبة من أثر ما تجرعته وجدت جسدها يتهاوى فوق المقعد وقد حاصرها “كامل” بذراعيه ثم نفث دخان سيجارته بوجهها.

سعلت “خديجة” بشدة وصرخت به.

– إبــعــد عــنــي.

“ريناد” إبعديه عني وخلينا نمشي من هنا.

في الولايات المتحدة الأمريكية

داخل أحد المشافي الكُبرى كانت “هيلين” تخرج من غرفة أحد المرضى ثم اتجهت إلى غرفة الأطباء.

تهاوت فوق مقعدها، فمازال متبقي على إنتهاء مناوبتها خمس ساعات.

دلف أحد الأطباء متسائلًا وهو ينظر نحو “هيلين”.

– هل ما سمعته صحيح؟

ضاقت عينيّ “هيلين”، فما الذي يقصده” ألبرت” بكلامه.

– “خالد” قدم استقالته من المشفى وسيستقر بمصر.

طالعته “هيلين” وهي لا تستوعب ما يُخبرها به “ألبرت”.

– ما الذي تقوله “ألبرت” ؟

“خالد” من المفترض أن يستلم بعد اسبوعين عمله كأستاذ جامعي بـ ستانفورد…، كيف له أن يترك ما وصل إليه هكذا.

هز “ألبرت” رأسه في حيره، فهذا ما سمعه من مدير المشفى.

– هذا ما سمعته للتو “هيلين” لكن كيف لم يكن لديكِ عِلم بهذا القرار.

تساءَل “ألبرت” بخبث وهو ينظر لملامح “هيلين”، إنه سعيد للغاية اليوم… فهذا العربي الذي لا يطيق وجوده بسبب تفوقه ونبوغته سيرحل تمامًا ويعود لموطنه.

التقطت “هيلين” هاتفها بعُجالة ثم غادرت الغرفة تحت نظراته المتخابثة.

زفر “خالد” أنفاسه بقوة بعدما صدح رنين هاتفه والتقطت عيناه اسم “هيلين”.

أجاب عليها على الفور لأنه يعلم سبب اتصالها وقد خرج صوته متحشرجًا.

– مرحبًا “هيلين”.

لم تجيب “هيلين” تحيته، فما يشغل عقلها الآن ما سمعته من “ألبرت”.

– هل ما أخبرني به “ألبرت” صحيح “خالد”، أنا كنت أحادثك منذ أيام لما لم تخبرني بقرارك.

هذا المسمى بـ “ألبرت” يعلم نواياه تمامًا.

– أنا سآتي لأمريكا بعد بضعة أيام لأنهي كل الأمور العالقة وسنتحدث هيلين”.

– سترحل “خالد” ! ، أين هو وعدك لي؟ أليس من المفترض أن نتزوج هذا الصيف؟

صوتها المختنق يُشعره بالإستياء لكن ما عساه أن يفعل…

كل شىء سقط فوق رأسه وأصبح الآن هو المسئول عن عائلته وشركة أبيه.

لقد ظن أنه سَيُكمل حياته بأمريكا كطبيب لكن وفاة والده وكارثة زواجه السري الذي كسر فؤاد والدته وحطم شقيقته وذلك الأخ الصغير الذي أصبح تحت وصايته؛ كل شىء حدث فجأة وحطم أحلام سعى إليها لسنوات.

– من فضلك “هيلين” اجعلي حديثنا عندما آتي إليكِ.

سقطت دموع “خديجة” بعجز بعدما تمكن – ذلك المدعو “كامل” ورفاقه- من محاوطتها.

لا تعرف متى وكيف أصبحت محاصرة بهم.

أغمضت عيناها عندما شعرت بالرعب من أصوات تهليلهم حولها وكأنهم يقومون بطقوس خاصة.

– ابعدوا عني ، ابعديهم عني يا “ريناد”.

لكن “ريناد” لم تكن بوعيها بل كانت تفعل مثلما يفعلوا.

أغلقت “خديجة” فمها بقوة لتمنع فوهة تلك الزجاجة من لمس شفتيها.

حاولوا جعلها ترتشف الخمر لكن عندما شعروا بالضجر من إغلاقها لفمها رفعوا زجاجات الخمر وسكبوها فوق رأسها.

تعالا صياحهم وهم يشعرون بالسعادة لرؤيتهم لها وهي ترتجف بهذا الشكل.

استكملوا طقوسهم وصياحهم وقد ارتفعت أصوات الموسيقى وأخذ البعض يندمج في الرقص.

توسلت لشقيقتها بنظرات صامته لكن “ريناد” كانت مثلهم تترنح وتُهلل مع صخب الموسيقى.

حاولت “خديجة” بإستماته التحرر من تقيدهم لها لكن ثُقل وزنها حال دون ذلك.

الذُعر احتل عيناها وهي تراهم يحملون المِقْعَد الذي أجلسوها وقيدوها عليه عُنوة.

خرج صوتها بتحشرج تبحث عن شقيقتها بينهم وتناديها.

– “ريــنــاد”.

عندما اقتربوا بها من المسبح صرخت بكل قوتها.

– لاااا.

ارتفع صياحهم مجددًا بحماس بعدما ألقوا بها في المسبح ثم عادوا لرقصهم وكأن شيئًا لم يَكُن.

توسعت أعيُن حارس الڤيلا وقد شعر بالصدمة مما يحدث.

لم يترك لعقله لحظة للتفكير واندفع بهروله نحو المسبح.

توقف الجميع عن الرقص والتهليل ثم سلطوا أنظارهم نحو المشهد.

بدأ البعض يفيق من حالة اللاوعي التي جعلتهم يستمتعون برؤية أحدًا يُصارع الموت.

بدأت “ريناد” تفيق أخيرًا وهي ترى شقيقتها تلتقط أنفاسها بصعوبة ويُساعدها ذلك الحارس بالخروج من المسبح.

– أنتِ كويسة؟!

سألها الحارس الشاب، فهزت رأسها بضعف له.

الجميع أصبح يسلط عيناه على المشهد، البعض كان متأثرًا والبعض الآخر لا يفرق معه الأمر…

فهم هنا ليستمتعون.

عادت الموسيقى ترتفع مرة أخرى ليستكملوا سهرتم.

– متجيش مكان زي ده تاني، الناس دي مش شبهنا.

قالها الحارس وهو يعطيها غطاء إحدى الطاولات لتلفه حول جسدها.

ارتجف جسد “خديجة” وسُرعان ما خرجت شهقاتها بصوت مرتفع.

طالعها الحارس بشفقة وحزن ثم أخذ يلعن هؤلاء الشباب.
لا يصدق أن استهتارهم وصل بهم لهذا الحد.

– خليكي هنا، هدخل أشوفلك حاجه عندي ينفع تلبسيها عشان تعرفي تروحي.

أشار الحارس بيده نحو الغرفة الصغيرة التي يسكن بها لحراسة الڤيلا التي دائمًا يقوم صاحبها بتأجيرها.

تحرك الحارس نحو الغرفة ليبحث لها عن شىء ترتديه.

تعلقت عينيّ “خديجة” به ومازالت دموعها تنهمر فوق خديها.

غادرت “خديجة” الڤيلا وهي تضع يديها فوق أُذنيها لتمنع صوت الموسيقى الصاخب من إختراق روحها المهشمة.

بخطوات شاردة سارت “خديجة” في ذلك الطريق الخالي من المارة لا تشعر بشىء حولها حتى برودة الهواء التي اخترقت عظامها.

إنها حتى هذه اللحظة لا تُصدق ما عاشته من رعب على أيديهم، جعلوها كالأضحوكة حتى “ريناد” شقيقتها تعاونت معهم.

استمرت دموعها بشق طريقها إلى خديها وارتفعت أنفاسها عاليًا بسبب شعورها بالإختناق الشديد.

…..

شعر “خالد” بالإختناق بعدما أنهى مكالمته مع “هيلين”، إنه بالفعل كان على وشك إعلان رغبته -لوالديه- بالزواج منها فهو وجد حياته بأمريكا ولا يرغب بالإستقرار بالوطن لكن موت والده المفاجئ غَيّر جميع خططه.

أخذته أفكاره لذلك اليوم الذي علم فيه بزواج والده.

كان في مؤتمر طبي بدولة الإمارات وبعد إنتهاء المؤتمر قرر الذهاب لوالده.

« فلاش باك ».

منذ ثمانية أشهر.

– إلى أين أنتَ ذاهب “خالد”؟

تساءَلت “هيلين” التي كانت من ضمن الفريق الطبي المبعوث إلى الإمارات ثم بعدها نظرت لساعه معصمها وأردفت:

– مازال الوقت معنا، ما رأيك أن نتجول بالمدينة إلى أن يأتي موعد طائرتنا.

– اعذريني “هيلين”، يجب عليّ رؤية والدي… أنتِ تعلمين أن والدي لديه أعمال هنا وهذه الأيام هو هُنَا في الإمارات.

مطت شفتيها بحنق بعدما علمت أن أمر تجولهم سويًا قد ضاع.

– سأذهب لرؤيته ،هو لا يعلم بتواجدي هُنَا.

قالها “خالد” ثم نظر إليها آسفًا.

– أنتَ بالتأكيد لا تريدني أن آتي معك.

تمتمت بها “هيلين” وقد أصاب ملامحها الحزن عندما رأت تردده.

– لا بأس “خالد” ، أنا أعلم أن الوقت لم يحن بعد لتعرفني على عائلتك.

حاول “خالد” الهرب من تلك المناقشة ، فهو حتى اليوم مازال لم يحدد مشاعره نحو “هيلين”.

هو بالفعل يريد الإقتران بها لأنها تمتلك الكثير من مواصفات شَريكة حياته لكنه يشعر أن الأمر يحتاج لوقت.

– على العكس “هيلين” أن أريد أن تتعرف عليكِ عائلتي لكن أُفضل أن أخبرهم نيتي بالزواج منك أولًا.

“خالد” لم يكن يوماً بالرَجُل الذي يمتلك القدرة على تزييّن الكلام أو إظهار مشاعره.

غادر الفندق الذي يُقام فيه المؤتمر الطبي لكن بمجرد أن أشار لأحد سيارات الأجرة بأن تتوقف كان هاتفه يرن.

ضاقت عيناه وهو ينظر نحو رقم المتصل ثم أجاب بعدما استقلَّ سيارة الأجرة.

– طبعاً أنت أكيد هتكون نسيتني يا دكتور بعد ما سافرت أمريكا.

– أستاذنا العظيم، مش معقول!!

هتف بها “خالد” وقد ابتهجت ملامحه من السعادة بسبب سماع صوت أستاذة الطبيب “إدريس”.

ابتسم وهو يستمع إلى صوت أعز تلامذته.

– منور الإمارات يا “خالد” ، أنا أول ماعرفت بوجودك هنا حاولت أعرف رقم تليفونك.

– حقك عليا أستاذي، أنا عارف إني مقصر بالسؤال عنك لكن هتفضل طول عمري قدوتي واستاذي الغالي.

التمعت عينيّ “إدريس” بالفخر وهو يتذكر حديث بعض الأطباء هُنَا عن مهارة “خالد” كطبيب عظام متنبئين له بمستقبل باهر.

– أنا فخور بيك يا “خالد” أوي، اسمك بقى واصل ليا هنا.

– مش كنت تلميذك يا استاذي ومازالت تلميذك.

لم تفارق الإبتسامة شفتي “إدريس”، فهو فخور بالفعل بـ” خالد” وبمديح الأطباء به.

– “خالد” مُعلمك محتاجك في استشارة طبيه.

وللأسف ضاعت خطته للذهاب لوالده.

انتهى أخيراً الوقت الذي صَبّ فيه “خالد” كل تركيزه مع الطبيب “إدريس” وبعض الأطباء عن حالة أحد المرضى.

نظرات الفخر التي كان يرمقه بها الطبيب “إدريس” كانت تستحق التوثيق لكن “خالد” لم يكن منتبهًا لها لأن من عادته التركيز في عمله.

– عرض عمل بمبلغ مغري في كام ساعه بس، لا يا دكتور أنت خلاص وصلت.

قالها الطيبب “إدريس” ممازحًا “خالد” رغم رغبته في عمل “خالد” معه بالمشفى هنا لكنه يرى أن مستقبله بالفعل في الولايات المتحدة الأمريكية.

– إني اشتغل تحت إيدك استاذي ده شىء يشرفني.

ابتسم “إدريس” له بحب أبوي ثم ربت على كتفه.

– دايمًا كنت أقول لنفسي إن “خالد” مش هيكون مجرد دكتور عادي.

لم يكن “خالد” في تلك اللحظة منتبهًا على حديث الطبيب “إدريس” له، فعيناه قد علقت نحو والده الذي يسير جوار امرأة يبدو عليها التعب ويحيط خصرها بذراعه.

« باك»

فاق من أفكاره على نظرة الذعر التي احتلت أعيُن تلك الواقفة أمام سيارته بعدما تمكن بصعوبة من التحكم في توقف سيارته دون الإصطدام بها.

ترجل من سيارته بقلق ينظر إليها وقد اِنتبه على هيئتها التي صدمته، فهي مبتلة الملابس وتحيط جسدها بمفرش طاولة.

– أنتِ كويسه؟!

نظرت إليه “خديجة” ثم حركت له رأسها دون حديث.

– لو محتاجه…

وقبل أن يستكمل “خالد” كلامه وجدها ترحل من أمامه وقد أذهله هيئتها العجيبة في هذا الوقت المتأخر من الليل.

نظر “خالد” حوله، فالمنطقة هنا لا يسكنها إلا القليل لأن أغلب قاطني المجمع السكني ليسوا مستقرين بالوطن.

سلط “خالد” عيناه عليها لمرة أخيرة قبل أن تختفي عن ناظريه ثم استقلَّ سيارته، فما الذي يشغل باله فهو عرض المساعده وانتهى الأمر.

••••••••••••••••

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مساحة إعلانية